الحكيم الترمذي

66

كيفية السلوك إلى رب العالمين

ترك الشهوات ، فإذا اختار سائر الطاعات من الحج والجهاد والصوم والصلاة ، فإن نفسه لا تزكو على ذلك ؛ لأن القلوب إنما تصل إلى اللّه بالطهارة والصفاء . فالطهارة للقلوب ترك الغل والغش والحقد ، والصفاء لأخلاق النفس ، فهذا أعظم النوافل ، فإذا ذهب يستكثر من نوافل أعمال البرّ ، وترك أخلاقه كل مرة سيئة ، وقلبه ذو غشّ وغلّ ثم طمع في القربة ؛ فهو محال . ومشيئات النفس في شهواتها ، فكلّما قلّت مشيئته قويت قربته من ربّه ؛ لأنه يكثر موافقته لربّه في تدبيره ، فلا يزال يترقّى في درجات القربة بإطفاء المشيئة حتى يصير في أعلاها ، فهناك لا تبقى له مشيئة . فرحم اللّه من بلّغ هذا عني ، فقال للمفتونين : يقول لكم محمد بن علي : حرام على قلوبكم الوصول إلى منازل القربة حتى تؤدّوا الفرائض على ما وصفت ، ثم حرام على قلوبكم بعد ذلك درجات الوسائل حتى تميتوا مشيئاتكم لمشيئته ، ثم حرام على قلوبكم بعد ذلك الدرجة العظمى في ملك الملك بين يديه حتى ينقطع عن قلوبكم مشيئة الوصول إليه ، وكيف يطمع عبد في ذلك ومشيئته قد بلغت به مبلغا إذا برز له من الغيب تدبير من اللّه قد دبر له من الحكمة البالغة بالرحمة الشافية ؛ كانت له في نفسه مشيئة تدبير اللّه ، وتتحرك فيه شهوة تدبير نفسه ، أفلا يستحي هذا الأحمق أن يحدّث نفسه أو يطمع فيها ؟ وأن اللّه - تبارك اسمه - الرحمة عن يمينه ، والحكمة بين يديه ، وأم الكتاب عن يده الأخرى ، ثم يصدرها إلى محل القضاء في ملك الجبروت ، فإذا جرى القضاء من العرش إلى الثرى في جميع خلقه ؛ غمض الجميع من تحت العرش عيونهم من هول سلطان القضاء ، إذا انتهى إليهم تفرّق القضاء ، فبعضه متوجّه إلى الجنان ، وبعضه إلى النيران ، وبعضه إلى أهل السماوات ، وبعضه إلى أهل الثرى . فهذا الجاهل المعجب بنفسه يرى في صدره مشيئة لنفسه ، فإقامة كل بسطواته بعد ما برز له تدبيره من ربّه على ما وصفنا ، فلم تمت مشيئته لمشيئته من هول ما ذكرنا ؛ لأنه لا يطمع بصره إلى ذلك ، ولا حسّ قلبه بهذه الصفة ، ثم يطمع بعد هذا أن ينال منازل الوسائل فتكون بين يديه ، ولا يدري بين يديه ما هو إلا الاسم والحروف التي ينطق بها . [ هنا مسائل ] مسألة : الشكر على الحقيقة قال أبو عبد اللّه - رحمه اللّه - : أمّا الشكر على الحقيقة ، فالشكر هو انفتاح الشيء